فصل: تفسير الآية رقم (44):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآيات (35- 43):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [35- 43].
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} قال ابن جرير: أي: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ولا أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفهمون لله حُجَّة، ولا يعتبرون له بعبرة ولا يتعظون بموعظة. وقد قيل: إن معنى ذلك: أم خلقوا لغير شيء، كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، بمعنى: لغير شيء {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} أي: أنفسهم، أو هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهاهم عنه؛ لأن للخالق الأمر والنهي.
{أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} أي: بوعيد الله، وما أعدّ لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة، فلذلك فعلوا ما فعلوا.
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} أي: خزائن رزقه، فهم لاستغنائهم معرضون {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} أي: الجبابرة المتسلِّطون.
{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} أي: مرتقى إلى السماء {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي: الوحي، فيدَّعون أنهم سمعوا هنالك من الله أن الذي هم عليه حق.
{فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجَّة واضحة تصدق دعواه.
{أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} أي: حيث جعلوا- لسفاهة رأيهم- الملائكةَ إناثاً، وأنها بناته تعالى، مع أنه {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58].
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله تعالى {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ} أي: من التزام غرامة {مُّثْقَلُونَ} أي: من أدائه، حتى زهّدهم ذلك في إتباعك.
{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي: منه ما شاؤوا، وينبئون الناس عنه بما أرادوا.
{أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي: بالرسول وما جاء به {فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} أي: الممكور بهم دونك، فثق بالله وامض لِما أمرك به.
{أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ} أي: له العبادة على جميع خلقه {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تنزيهاً له عن شركهم، وعبادتهم معه غيره.

.تفسير الآية رقم (44):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاء سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [44].
{وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاء سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} هذا جواب لمشركي قريش الذين كانوا يستعجلون العذاب، ويقترحون الآيات كقولهم:
{لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً} إلى قوله {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} [الإسراء: 90- 92].
قال الزمخشريّ: يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم، لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض، يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب.

.تفسير الآيات (45- 46):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [45- 46].
{فَذَرْهُمْ} أي: يخوضوا ويلعبوا، ويلهِهم الأمل، {حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} أي: يموتون.
{يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} أي: لا يدفع عنهم مكرُهم من عذاب الله شيئاً {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}

.تفسير الآية رقم (47):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [47].
{وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} أي: دون يوم القيامة، وهو إما عذاب القبر، أو القحط، أو النوازل التي تذهب بأموالهم وأنفسهم- أقوال للسلف- واللفظ صادق بالجميع {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: سنة الله في أمثالهم من الفجرة.

.تفسير الآية رقم (48):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [48].
{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه، وبلِّغ رسالاته.
{فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} قال ابن جرير: أي: بمرأى منا، نراك ونرى عملك، ونحن نَحُوطك ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين.
وقال الشهاب: يعني أن العين، لما كان بها من الحفظ والحراسة استعيرت لذلك، وللحافظ نفسه، كما تسمى الربيئة عيناً، وهو استعمال فصيح مشهور. ونكتة جمع العين هنا وإفرادها في قصة الكليم، عدا عن أنه جمع هنا لما أضيف لضمير الجمع، ووحد ثمة لإضافته لضمير الواحد، هو المبالغة في الحفظ، حتى كأن معه جماعة حفظة له بأعينهم؛ لأن المقصود تصبير حبيبه على المكايد ومشاقّ التكاليف والطاعة، فناسب الجمع، لأنها أفعال كثيرة، يحتاج كل منهما إلى حارس بل حراس. بخلاف ما ذكر هناك من كلاءة موسى عليه السلام {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} أي: من منامك.
وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: رب اغفر لي- أو قال: ثم دعا- استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى، قبلت صلاته». وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السُّنن.
وورد من أذكار الاستيقاظ من النوم قول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله القدوس. و: لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم أستغفر لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهبْ لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
وقيل: حين تقوم إلى الصلاة، روى مسلم في صحيحه عن عمر، أنه كان يقول في: ابتداء الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان «يقول ذلك». وعن مجاهد: حين تقوم من كل مجلس. وكذا قال عطاء وأبو الأحوص.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من جلس في مجلس، فكثُر فيه لغطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». فقال رجل: يا رسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى؟! قال: «كفارة لما يكون في المجلس»!
وقد أفرد الحافظ ابن كثير لهذا الحديث جزءاً على حِدة، ذكر فيه طرقه وألفاظه وعلّله، فرحمه الله.
ولا يخفى أن لفظ الآية يصدق بالمواضع المذكورة كلها، وتدلُّ الأحاديث المذكورة على الأخذ بعمومها، فإن السنة بيان للكتاب الكريم.

.تفسير الآية رقم (49):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [49].
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة بالليل، كما قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79].
وقد روي في أذكار الليل من التسابيح ما هو معروف في كتب الحديث. وقد جمعت ذلك معرىّ عن أسانيدها في كتابي الأوراد المأثورة.
{وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} أي: وسبحه وقت إدبارها، وذلك بميلها إلى الغروب عن الأفق، بانتشار ضوء الصبح، وقد عنى ذلك إما فريضة الفجر أو نافلته، أو ما يشملها. قال قتادة: كنا نحدَّث أنهما الركعتان عند طلوع الفجر. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل، أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر». وفي لفظ مسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
قال الزمخشريّ: وقرئ: {وأدبار} بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت.
تنبيه:
قال في الإكليل عن الكرمانيّ: إن بعض الفقهاء استدل به على أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل لأن النجوم لا إدبار لها، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون. انتهى.
وهو استدلال متين.

.سورة النجم:

بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 2):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [1- 2].
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} أي: إذا غرب وغاب عن الأبصار، أو انتثر يوم القيامة، أو انقضّ.
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. والخطاب لقريش، أي: ما حاد عن الحق، ولا زال عنه.
{وَمَا غَوَى} أي: ما صار غويّاً، ولكنه على استقامة وسداد ورشد وهدى. وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغَيِّ. وذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان {صَاحِبُكُمْ} للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم بمحاسن شؤونه المنيفة، فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرح باسمه.

.تفسير الآيات (3- 4):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [3- 4].
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} أي: وما ينطق بهذا القرآن عن هواه ورأيه. وفيه تعريض بهم أيضاً {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} أي: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه. وجملة {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} صفة مؤكدة لـ: {وَحْيٌ} رافعة لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار التجدديّ.
والضمير للقرآن، لفهمه من السياق، ولأن كلام المنكرين كان في شأنه. وأرجعه بعضهم إلى ما ينطق به مطلقاً. واستدل على أن السنن القولية من الوحي، وقوّاه بما في مراسيل أبي داود عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها، كما يعلمه القرآن، واستدل أيضاً على منع الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم. والصواب هو الأول، أعني: كون مرجع الضمير للقرآن، لما ذكرنا، فإنه ردّ لقولهم {افْتَرَاهُ} [يونس: 38] والقرينة من أكبر المخصصات. وجليّ أنه صلى الله عليه، كثيراً ما يقول بالرأي في أمور الحرب، وأمور أخرى، فلابد من التخصيص قطعا، وبأنه لا قوة في المراسيل، لما تقرر في الأصول. وبأن الآية لا تدل على منع الاجتهاد المذكور، ولو أعيد الضمير لما ينطق مطلقاً؛ لأن الله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحياً، لا نطقاً عن الهوى؛ لأنه بمنزلة أن يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: متى ما ظننت كذا فهو حكمي، أي: كل ما ألقيته في قلبك فهو مرادي، فيكون وحياً حقيقة، لاندراجه تحت الإذن المذكور، لأنه من أفراده. فما قيل عليه من أن الوحي الكلام الخفيّ المدرك بسرعة، فلا يندرج فيه الحكم الاجتهاديّ إلا بعموم المجاز، مع أنه يأباه قوله:
{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [االنجم: 5] غير وارد عليه، بعدما عرفت من تقريره- نقله في العناية عن الكشف وتفصيل المسألة في مطولات الأصول.

.تفسير الآية رقم (5):

القول في تأويل قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [5].
{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} أي: علم محمد صلى الله عليه وسلم ملَكٌ شديد قواه، يعني جبريل عليه السلام. كما قال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 19- 20]، و{الْقُوَى} جمع قوة، بضم القاف. ومن العرب من يكسرها كالرِّشا بكسر الراء في جمع رشوة بضمها والحِبا في جمع حُبوة، نقله ابن جرير.

.تفسير الآيات (6- 7):

القول في تأويل قوله تعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} [6- 7].
{ذُو مِرَّةٍ} بكسر الميم، أي: متابة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيّره ونسيانه. والعرب تقول لكل قويّ العقل والرأي:
{ذُو مِرَّةٍ} من أمررت الحبل، إذا أحكمت فتله.
{فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} قال الزمخشريّ: فاستقام على صورة نفسه الحقيقة، دون الصورة التي كان يتمثل بها، كلما هبط بالوحي. وكان ينزل في صورة دحية. فالفاء- كما قال شراحه- سببية، لأن تشكله يتسبب عن قوته وقدرته على الخوارق. أو عاطفة على {عَلَّمَهُ} أي: علمه على غير صورته الأصلية، ثم استوى على صورته الأصلية.
وقيل: استوى بمعنى استولى بقوته على ما أمر بمباشرته من الأمور، حكاه القاضي.
قال الشهاب: الأفق الناحية، وجمعه آفاق. والمراد الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، لا مصطلح أهل الهيئة. انتهى.
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: {فَاسْتَوَى} يعني جبريل عليه السلام، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد.
ثم قال ابن كثير: وقد قال ابن جرير هاهنا قولاً لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد، وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى، أي: هذا الشديد القوي وصاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، أي: استويا جميعاً بالأفق الأعلى، وذلك ليلة الإسراء، كذا قال، ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية وهو كقوله:
{أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا} [النمل: 67]، فعطف بالآباء على المكنيّ في {كُنَّا} من غير إظهار نحن، فكذلك قوله:
{فَاسْتَوَى وَهُوَ} قال: وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:
ألَم تَر أن النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ** ولا يستوي والخِرْوعُ الْمُتَقَصِّفُ

وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة، بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ، ثم فترة الوحي فترة «ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مراراًً ليتردى من رؤوس الجبال»، فكلما همَّ بذلك ناداه جبريل من الهواء: يا محمد! أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه. وكلما طال عليه الأمر، عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سدّ عظم خلقه الأفق، فاقترب منه، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملَك الذي جاءه بالرسالة، وجلالة قدره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه. انتهى.
أقول: قد وافق القاشانيّ ابن جرير في تأويل الآية، وعبارته:
{فَاسْتَوَى} فاستقام على صورته الذاتية، والنبيّ بالأفق الأعلى، لأنه حين كَوْن النبيّ بالأفق المبين لا ينزل على صورته، لاستحالة تشكل الروح المجرد في مقام القلب، إلا بصورة تناسب الصور المتمثلة في مقامه، ولهذا كان يتمثل بصورة دحية الكلبيّ، وكان من أحسن الناس صورة، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يتمثل بصورة يمكن انطباعها في الصدر، لم يفهم القلب كلامه، ولم ير صورته. وأما صورته الحقيقية التي جبل عليها فلم تظهر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا مرتين: عند عروجه إلى الحضرة الأحدية ووصوله بمقام الروح في الترقي، وعند نزوله عنها ورجوعه إلى المقام عند سدرة المنتهى في التدلي. انتهى.
وكذا المهايميّ وافقهما وعبارته:
{فَاسْتَوَى وَهُوَ} أي: صاحبكم عند استواء نفسه، صار بالأفق الأعلى الروحانيّ. انتهى.
وكذا الفخر الرازيّ وعبارته:
المشهور أن {هُوَ} ضمير جبريل، وتقديره استوى كما خلقه الله بالأفق الشرقيّ، فسدّ المشرق لعظمته، والظاهر أن المراد محمد صلى الله عليه وسلم، معناه: استوى بمكان، وهو بالمكان العالي رتبة ومنزلة في رفعة القدر، لا حقيقة في الحصول في المكان.
فإن قيل: كيف يجوز هذا والله تعالى يقول:
{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، إشارة إلى أنه رأى جبريل بالأفق المبين؟ نقول: وفي ذلك الموضع أيضاً نقول كما قلنا هاهنا، أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل بالأفق المبين. يقول القائل: رأيت الهلال، فيقال له: أين رأيته؟ فيقول: فوق السطح، أي: إن الرائي فوق السطح، لا المرئي. و{الْمُبِينِ} هو الفارق، من أبان الْإِنْسَاْن، أي: هو بالأفق الفارق بين درجة الْإِنْسَاْن، ومنزلة الملك، فإنه صلى الله عليه وسلم انتهى وبلغ الغاية وصار نبياً، كما صار بعض الأنبياء نبياً يأتيه الوحي في نومه وعلى هيئته، وهو واصل إلى الأفق الأعلى، والأفق الفارق بين المنزلتين. فإن قيل: ما بعده يدل على خلاف ما تذهب إليه، فإن قوله:
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} إلى غير ذلك، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} كل ذلك يدل على خلاف ما ذكرته؟ نقول: سنبين موافقته لما ذكرنا إن شاء الله تعالى في مواضعه، عند ذكر تفسيره.
فإن قيل: الأحاديث تدل على خلاف ما ذكرته، حيث ورد في الأخبار أن جبريل عليه السلام أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على صورته، فسدّ المشرق؟ فنقول: نحن ما قلنا: إنه لم يكن وليس في الحديث أن الله تعالى أراد بهذه الآية تلك الحكاية، حتى يلزم محالفة الحديث، وإنما نقول: إن جبريل أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مرتين، وبسط جناحيه، وقد ستر الجانب الشرقي وسدَّه، ولكن الآية لم ترد لبيان ذلك. انتهى كلام الرازي.
وفي القرطبيّ حكاية أقوال أخر، وعبارته:
{فَاسْتَوَى} أي: ارتفع جبريل وعلا إلى مكانة في السماء، بعد أن علّم محمداً صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب وابن جبير.
وقيل:
{فَاسْتَوَى} أي: قام وظهر في صورته التي خُلِق عليها.
وقول ثالث: إن معنى {فَاسْتَوَى} أي: استوى القرآن في صدره. وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: في صدر جبريل حين نزل به عليه السلام.
الثاني: في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه.
وقول رابع: إن معنى {فَاسْتَوَى} فاعتدل، يعني محمداً في قوّته، والثاني في رسالته، ذكره الماورديّ.
وعلى الأول يكون تمام الكلام {ذُو مِرَّةٍ}، وعلى الثاني {شَدِيدُ الْقُوَى}
وقول خامس: إن معناه فارتفع، وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: أنه جبريل ارتفع إلى مكانه، على ما ذكرناه آنفاً.
الثاني: أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج.
وقول سادس:
{فَاسْتَوَى} يعني الله عز وجل، أي: استوى على العرش، على قول الحسين. انتهى.
هذا ما وقفنا عليه الآن من الأقوال في الآية، وسيأتي في أول التنبيهات إيضاح ما اخترناه منها، وإنما أخّرنا ذكره لارتباطه بالآيات الآتية.